ماكس فرايهر فون اوپنهايم

206

من البحر المتوسط إلى الخليج

السمك وأصحاب العبارات . ويحظى هذا الحي ، وبحق ، بسمعة سيئة ، إذ يكفي لذلك تلك الرائحة الكريهة الناجمة عن صباغة جلود الماعز المستعملة في صنع عوامات دجلة . على طريقي إلى السرايا ذهبت إلى المبنى الواسع للبريد والبرق . وكان سروري كبيرا أنني استطعت لأول مرة منذ مغادرتي دمشق إرسال خبر برقي إلى الوطن وعليّ أن أعترف بأن الإرسال البرقي يعمل بشكل جيد على الرغم من انعدام الأمن في المنطقة : فالرسالة البرقية إلى ألمانيا تستغرق يوما واحدا أو يومين كحد أقصى . ويمر خط التلغراف عن طريق الجزيرة وماردين وديار بكر « 1 » . [ السرايا ] دخلنا في بادئ الأمر إلى بهو السرايا الواسع جدا . كانت مكاتب العمل الرسمي ومنزل الوالي موجودة في الطابق العلوي من الجناح المطل على النهر . استقبلني الوالي عثمان باشا بأعلى درجات اللطف والاحترام في غرفة كبيرة مفروشة بأثاث نصف أوروبي وذات جدران عارية بيضاء . كان رجلا متقدما في السن ، وقفته فيها بعض الانحناء ، وله لحية كبيرة بيضاء كالثلج ، ولكن طلعته كانت لم تزل توحي بالقوة والبأس . كان عثمان باشا ينحدر من أسرة شركسية من القوقاز ؛ وبكل اعتزاز أطلعني فيما بعد على شجرة العائلة المكتوبة بخط جميل والتي تعود إلى مئات السنين . رأينا عند الوالي أحد أبناء شيخ شمر المتوفى فرحان باشا الذي كان ، مدعوما من يونس بك ، وهو من أبناء الموصل ذوي النفوذ الواسع وينتمي إلى العائلة التاريخية عائلة عبد الجليل ( الجليلي ) ، يسعى إلى الحصول على لقب باشا الشمر الشرقيين بعد ما أصبح هذا المنصب شاغرا بوفاة فرحان . ولقد تذكر يونس بك ، الذي زرته أيضا فيما بعد ، بشكل جيد جدا الزيارة التي قام بها له قبل 20 عاما تقريبا الإنجليزي كاميرون ومرافقه قائد الشرطة المصرية سابقا شيفر بك . آنذاك كان الرجل ، الذي أصبح أشيبا الآن وثقلت حركته ، قويا ونشيطا وقد نظم على شرف ضيوفه رحلة صيد ممتعة مع الكلاب السلوقية والصقور . دعاني عثمان باشا إلى الغداء في اليوم التالي . وكان الطعام يتألف من

--> ( 1 ) انظر سالنامه ( السجل الرسمي للدولة التركية ) لعام 1303 .